الشنقيطي
210
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذكر أن عليا قال لامرأته : أملقي ما شئت من مالك . وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد ، ذكره القرطبي ، وغيره ، والصحيح الأول . قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ 152 ] الآية . قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة ، أعني مفهوم الغاية في قوله : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ الأنعام : 152 ] إنه إذا بلغ أشده ، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن ، وليس ذلك مرادا بالآية ، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله ، إن أونس منه الرشد ، كما بينه تعالى بقوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] الآية . والتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ ، بدليل قوله تعالى : إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] الآية . والبلوغ يكون بعلامات كثيرة ، كالإنبات ، واحتلام الغلام ، وحيض الجارية ، وحملها ، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمسة عشرة سنة ؛ ومن العلماء من قال : إذا بلغت قامته خمسة أشبار ، فقد بلغ ، ويروى هذا القول عن علي ، وبه أخذ الفرزدق في قوله يرثي يزيد بن المهلب : ما زال مذ عقدت يداه إزاره * فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي * في ظل معتبط الغبار مثار والأشد ، قال بعض العلماء : هو واحد لا جمع له كالآنك ، وهو الرصاص ، وقيل : واحده شد كفلس وأفلس ، قاله القرطبي وغيره ، وعن سيبويه أنه جمع شدة ، ومعناه حسن ، لأن العرب تقول : بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على أفعل غير معهود ، كما قاله الجوهري ، وأما أنعم ، فليس جمع نعمة ، وإنما هو جمع نعم من قولهم بؤس ونعم ، قاله القرطبي ، وقال أيضا : وأصل الأشد من شد النهار إذا ارتفع ، يقال . أتيته شد النهار ، وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة : عهدي به شد النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم وقال الآخر : تطيف به شد النهار ظعينة * طويلة أنقاء اليدين سحوق قال مقيده - عفا اللّه عنه - : ومنه قول كعب بن زهير : شد النهار ذراعا عطيل نصف * قامت فجاوبها نكد مثاكيل فقوله : « شد النهار » ، يعني وقت ارتفاعه ، وهو بدل من اليوم في قوله قبله :